عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

246

اللباب في علوم الكتاب

عَلَى الْمُحْسِنِينَ [ البقرة : 236 ] قال رجل من المسلمين : إن أردت ؛ فعلت ، وإن لم أرد ذلك لم أفعل فقال اللّه تعالى : « وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ » جعل المتعة لهن بلام الملك ، وقال : « حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ » يعني المؤمنين المتّقين الشّرك . وقيل : المراد بهذه المتعة : النّفقة ، والنّفقة قد تسمّى متاعا ، فاندفع التّكرار . واعلم أنّ القائل بوجوب المتعة لكلّ المطلقات : هو سعيد بن جبير ، وأبو العالية والزّهريّ « 1 » . وقال الشّافعيّ : لكلّ مطلقة إلّا المطلقة التي فرض لها المهر ، ولم يوجد في حقّها المسيس . قال أبو حنيفة : لا تجب المتعة إلّا للمطلّقة التي لم يفرض لها ، ولم يوجد المسيس . وقول اللّه تعالى في زوجات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ [ الأحزاب : 28 ] محمول على أنّه تطوّع من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لا على سبيل الوجوب . وقوله : فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ [ الأحزاب : 49 ] محمول على غير المفروض لها أيضا . قال القرطبيّ « 2 » : وأوجب الشّافعيّ المتعة للمختلعة ، والمبارئة . وقال أصحاب مالك : كيف يكون للمفتدية متعة وهي تعطى ، فكيف تأخذ متاعا ، لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة ، أو مفتدية ، أو مبارئة ، أو مصالحة ، أو ملاعنة ، أو معتقة تختار الفراق ، دخل بها أم لا ، سمى لها صداقا أم لا ؛ وقد تقدّم ذلك ، ثم قال : « كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 243 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 243 ) اعلم أنّ عادته تعالى : أن يذكر القصص بعد بيان الأحكام ليفيد الاعتبار للسّامع . قوله تعالى : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ » : هذه همزة الاستفهام دخلت على حرف النّفي ، فصيّرت النّفي تقريرا ، وكذا كلّ استفهام دخل على نفي نحو : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [ الشرح : 1 ] أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [ الزمر : 36 ] فيمكن أن يكون المخاطب علم هذه القصّة قبل نزول هذه الآية ، فيكون التّقرير ظاهرا ، أي : قد رأيت حال هؤلاء ، كقول

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 137 . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 150 .